الطبراني

314

التفسير الكبير ( تفسير القرآن العظيم )

وفي بعض الرّوايات : أنه كان يقول قبل هذا النداء : يا أيّها الناس أنا الذي أعاب ولا خاب ولا مردّ لما قضيت ، فيقول له المشركون : لبّيك ربّنا ، ثم يسألونه أن ينسئهم شهرا فيقول : ألا إن صفر العام حلال يريد به المحرّم ، وربّما يقول : حرام ، فيحرّمون المحرّم صفرا ، وكان إذا قال الناسيء في المحرّم : حلال ، عقدوا الأوتار وشدّوا الأزجة « 1 » وأعلوا السيوف وأغاروا على الناس ، وإذا قال : حرّم ، حلّوا الأوتار ونزعوا الأزجة وأغمدوا السيوف « 2 » . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ؛ وذلك أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم أقام بالمدينة بعد مرجعه من الطّائف ، ثم أمره اللّه بالجهاد لغزوة الرّوم وأمره بالخروج إلى غزوة تبوك ، وذلك في زمان عسرة وشدّة من الحرّ حين طابت ثمار أهل المدينة فأمر النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالخروج إلى الجهاد فكانوا يتثاقلون من الخروج ويحبّون الظّلال والثمار ، فأنزل اللّه هذه الآية . ومعناها : ما لكم إذا قيل لكم اخرجوا إلى جهاد المشركين تثاقلتم إلى الأرض وتكاسلتم واطمأننتم إلى أوطانكم ، أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ ؛ استفهام يعني الإنكار ؛ أي آثرتم « 3 » عمل الدّنيا على عمل الآخرة ، وآثرتم الحياة في الدّنيا على الحياة في الآخرة ، فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ( 38 ) أي ما منفعة الدّنيا في الآخرة وفي ما يتمتّع به أولياء اللّه في الجنّة إلا يسير لأن الدّنيا تضمحلّ ويفنى أهلها ، والآخرة دار القرار . قوله تعالى : إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ؛ أي إلّا تخرجوا مع نبيّكم في الجهاد يعذّبكم عذاب الاستئصال ،

--> ( 1 ) الزّجّ : زجّ الرّمح ؛ والسهم ، والجمع : الزّجاج . قال الأزهري : زجّ الرمح : الحديد التي تركّب سافلة الرمح ، والسّنان : التي تركب عاليته ، والزّجّ يركز به الرمح في الأرض ، والسّنان يطعن به . ويقال لنصل السهم : زجّ . قال خالد بن كلثوم : كانوا يستقبلون أعداءهم إذا أرادوا الصلح بأزجّة الرّماح ، فإن أجابوهم وإلا قلبوا الأسنّة وقاتلوهم . ينظر : تهذيب اللغة : ج 1 ص 244 ( زج ) . ( 2 ) نقله أهل التفسير عن الكلبي ؛ ينظر : المحرر الوجيز : ص 845 . ( 3 ) في المخطوط : ( اخترتم ) وهو غير مناسب ، فأثبتناه كما يقتضي سياق الكلام .